سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٨(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالذِينَ مِن دُونِهِ): الاستفهام للتقرير، تقرير الإستهانة بالذين يدبرون المكايد، ويخوّفون رسول الله بأن تصيبه آلهتهم الباطلة بسوء، فإنه تعالى هو الراعي لعبده وحافظه من كل مكروه، وما أروع الالتفات من ضمير الغيبة: (بِكَافٍ عَبْدَهُ): إلى الخطاب في قوله: (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالذِينَ مِن دُونِهِ): لفائدة إبراز شخصية النبي في مواجهة ذلك التهديد وعبّر عن المعبودات الباطلة بضمير العقلاء: (بِالذِينَ مِن دُونِهِ): ليشمل بذلك كل أنواع المعبودات الباطلة، ويكون الجواب لمثل هذه الصيغة من الاستفهام "ببلى" لإنكار النفي مبالغة في الإثبات.
(وَمَنْ يُّضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ* وَمَنْ يَّهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ اَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ):
وهكذا فإن الواقع التاريخيّ مما ثبت في السيرة أن بعض الصحابة ممن كلفهم الرسول بهدم بعض الأصنام كما فعل خالد بن الوليد بالعزى، وعمرو بن العاص "بسواع" فقد نفذوا مأمورياتهم دون أن يلحق بهم أذى، وذلك قبل فتح مكة وهدم ما كان حول الكعبة من الأصنام، وقبل أن يذيّل الله هذا الغرض بقوله: (اَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ): بيّن مدى قدرته وسلطانه في تدبير شؤون خلقه ومع القدرة والسلطان العدل والحكمة، فهو يقضي بحكمه في الهدى والضلال بحسب واقع المحكوم عليه من اختياره وكسبه الحرّ فمن سار على سبيل الضلال والكفر فلا يملك أحد أن يهديه إلى سبيل الرشاد، ومن وفقه إلى الرشد والإيمان فلا مضل له من ذلك أبدا، فهل من منكر بعد ذلك لعزة الله وغلبته على خلقه، ينتقم ممن عصاه ويحمي من لجأ إليه واستنصر به؟ ....