سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٧٠عطف الله على الدعاء السابق من طرف النبي للمحاكمة بينه وبين أعدائه المشركين، عطف الله قراره بأن الحكم القاسي سيكون على الذين ظلموا، وزيادة في التهويل بيّن الله أنهم لو كانوا يملكون كل ما في الأرض من خيرات وكنوز في ذلك الموقف المهول لقدّموه فداء لأنفسهم من ذلك العذاب، والتعبير تمثيل رهيب للحال التي هم عليها، لأن إمعانا في التيئيس والإحباط، لأنهم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
(وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ): والاحتساب هو المبالغة في الحساب عندما يوغل أحدنا في الظن، فهؤلاء الظلمة لا يعدمون التلفيق والتأويل لسوء تصّرفاتهم فيرون أن ما هم عليه من المعتقد أو السلوك هو الحق والصواب أو يلتمسون المبرّرات لسيئاتهم بمثل التمسك بالشفاعة أو الاكتفاء بالنطق بالشهادتين تمسّكا بمهاترات علم الكلام إلى غير ذلك من أنواع الظنون التي تكشف لهم في صحائفهم يوم القيامة.
(وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون): قد يقصّر المكلف في واجبات الدينية كسلا وتهاونا، ولكنه في قرارة نفسه يعلم انه قد أخلّ بواجبه فهو يتمنى ويطلب الهداية من الله، فمثل هذا قد ترجى منه التوبة والرجوع إلى الله في يوم من الأيام.
وأما الذي يتهاون ثم هو يسخر ويستهزئ بأوامر الله وتوجيهاته، كما يفعل الملاحدة من الشباب المسلم اليوم، وكما أنشد الأخطل الكبير يوما بحضرة عبد الملك بن مروان ساخرا بتعاليم الإسلام قال:
ولست بصائم رمضان يوما … ولست بأكل لحم الأضاحي
ولست بقائم في الصبح أدعو … كمثل العير، حيّ على الفلاح
ولكنني سأشريها شمولا … وأسجد عند متبلج الصباح