نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الزمر

الجزء ١٦ · صفحة ٧٣

تقدم نظير هذه الآية في أول السورة مع التفنن في تغيير بعض الكلمات، وجاء التفريع هنا بالفاء: (فَإِذَا مَسَّ الاِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا): لو ورد هذا الإخبار في سياق بيان غرابة مواقف المشركين في تعاملهم مع الله، إذ يشمئزون من ذكر وحدانيته، ثم لا يلبثون أن يفزعوا إليه بالدعاء إذا ما أصابهم مكروه، لأنهم في تلك الحالة يستمعون إلى نداء الفطرة، وهي تعلم أن لا ضارّ ولا نافع إلا الله، وخير مثال يضربه الله على ذلك النداء الفطريّ في القرآن هو ركوب البحر، وما تتعرض إليه الفلك -أحيانا- من أهواله، والمراد "بالإنسان" في قوله: (إِذَا مَسَّ الاِنسَانَ ضُرٌّ): كل المشركين لأن "آل" للجنس. ولكن ذلك المتضرع الداعي لله في وقت الشدّة ينقلب إلى مزهوّ مغرور بعلمه وحذقه بمجرّد أن يتفضل الله عليه بنعمة من النعم ويمكنه من الاستمتاع بها برهة من الزمن مدعيّا أنه اكتسب تلك النعمة فجاء الردّ الإلاهي بقوله: (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ): فما أبلغ هذه الجملة القصيرة المصدرة "ببل" التي تدلّ على الإضراب الإبطاليّ لنفي تلك المزاعم، وإقرار أن تخويل تلك النعمة لأحد من خلق الله إنما هو اختبار له من الله أيكون من الشاكرين أم الكافرين. كما قال سيّدنا سليمان -وهو الرسول الملك- الذي أفاض الله عليه نعمة من العلم والملك والنبوءة فقال: (هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيَ ءَآشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُ) (النمل:40) وقوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ): استدراك والضمير عائد إلى الناس المفهوم من السياق، حكم الجمل على الأكثرية فيدخل فيها كل من يغفل عن تلك الحقيقة ولو كان مؤمنا.

ثم يذكّر الله بمصارع الغابرين ممن ركبهم ذلك الغرور وفتنتهم الدنيا، وظنوا أنهم المسيطرون عليها، وقالوا مثل ما قال هؤلاء: (إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمِم).

٤٬٩٢٣ / ٦٬٧٦٧