نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة غافر

الجزء ١٦ · صفحة ١٢٦

الإنذار هو الإخبار بعواقب غير سارة للتخويف منها، والخطاب لرسول الله، ومن خلالة لكل داعية إلى الله والضمير للذين كفروا في وقت التنزيل ومن يكون على شاكلتهم في كل زمان ومكان، ويوم الآزفة هو يوم القيامة، وصف بالقرب لأن الناس يستعبدونه كما قال تعالى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا* وَنَرَاهُ قَرِيبًا) (المعارج: 6 - 7). ذلك بالنسبة للإحياء يغفلون عنه بانشغالهم في الجري وراء متع الدنيا، وأما الأموات فهم لا يحسّون بالزمن في فترة البرزخ ولذلك فهم يقولون عند البعث من قبورهم: (لَبِثْنَا يَوْمًا اَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَآدِّينَ) (المؤمنون:113). فإذا كان المؤمنون يبعثون آمنين من ذلك الفزع الأكبر فإن الذين كفروا وكذبوا برسل الله يشتدّ عليهم الخوف والهلع حتى ترتفع قلوبهم إلى حناجرهم خوفا من المصير الذي ينتظرهم وهم كاظمون لالآمهم ومخاوفهم داخل صدورهم. وذلك أدعى لشدة المعاناة والعذاب النفسي، إذ أن المكروب من الناس إذا بكى أوصاح فإنه يجد متنفّسا لهمّه في ذلك، وهم مع ذلك لا يجدون لهم مساعدة من قريب ولا وساطة من شفيع تقبل شفاعته إذ لا شفيع يومئذ إلا لمن ارتضاه الله من أوليائه.

(يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الاَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ):

الضمير يرجع إلى لفظ الجلالة المتقدم في قوله: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ): فبعد أن أيأس الله الكافرين من آية مساعدة أو شفاعة تنقدّهم مما هم فيه زاد هنا تيئيسهم من توهّم إخفاء شيء من دوافع نفوسهم أو من أعمالهم الدنيئة على الله، لأنه تعالى يعلم ما تسرقه الأعين من النظر المختلس إلى كل ما حرّم الله بالإطلاع على عورات الناس، وعلى حرمات النساء كما ذهب إلى ذلك ابن عباس لأن النظر المحرم هو بريد الزنى كما يقول العلماء وحتى المروءة تقتضي عدم اختلاس النظر إلى حرمة غيرك، يقول عنترة في هذا الشأن:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي … حتى يوارى جارتي مأواها

٤٬٩٧٦ / ٦٬٧٦٧