نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة فصّلت

الجزء ١٦ · صفحة ٢١٣

(ثُمَّ): هنا للترتيب الذكري، وقد يعمد إلى ذلك في الأساليب البلاغية، ذلك لأن خلق السماوات أعظم من خلق الأرض وعوالمها أوسع وأكثر، سيما المجموعة الشمسية التي تعبّر الأرض إحدى تلك المجموعات، والترتيب الذكري لا يقتضي أن خلق السماء وقع بعد خلق الأرض، لأن: (ثُمَّ): لا تكون للترتيب الزمني دائما ولهذا فلا تناقض بين هذه الآية وقوله تعالى في سورة النازعات: (ءَآنتُمُ أَشَدُّ خَلْقًا اَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا* رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا* وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا* وَالاَرْضَ بَعْدَ ذَالِكَ دَحَاهَآ* أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا) (27 - 31). لأن معنى قوله تعالى: (دَحَاهَآ): بمعنى بسطتها وهيأها للحياة فيكون الخلق الأول للسماء والأرض قد تم معا بدليل قوله: (اِيتِيَا طَوْعًا اَوْ كَرْهًا): وأما دحو الأرض في مراحل تطورّها فقد تمّ بعد ذلك بيومين آخريين، مما يكمّل أربعة أيام كما جاء في الآية الكريمة، فإذا قيل لم خلق السماوات على كترتها وضخامتها كلها في يومين من أيام الله، بينما زيد للأرض يومان ءاخران تتمة لليومين الأولين قلنا –والله أعلم- لأن توفير أسباب الحياة على وجه الأرض وتمهيدها لحياة الإنسان والحيوان يقتضي ذلك سنة التطوّر كما تقدم وذلك معنى قوله تعالى: (وَالاَرْضَ بَعْدَ ذَالِكَ دَحَاهَآ* أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا* وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا* مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ) (النازعات:30 - 33).

ولهذا ما يزال العلماء يحاولون أن يجدوا في الكواكب الأخرى ما يدل على وجود الحياة وكائنات عاقلة كما على الأرض فلم يظفروا بطائل.

والاستواء هو بمعنى القصد إلى الشيء وتعالى الله عن التنقل أو التوجه، وإنما المراد التمثيل لتعلق إرادته التكوينية بإيجاد شيء ما فيقول له: "كن فيكون".

٥٬٠٦٣ / ٦٬٧٦٧