سورة فصّلت
الجزء ١٦ · صفحة ٢٦٦"على أن المسلم قد يخامره بعض هذا الخلق، وترتسم فيه سيمات منه، ولكن إيمانه يصرفه عنه إنصرافا بقدر قوة إيمانه، ولكنه قد تجدي بعض أعمال بعض المسلمين على صورة أعمال من لا يظن أن الساعة قائمة مثل أولئك الذين ياتون السيئات ثن يقولون: إن الله غفور رحيم، والله غني عن عذابنا وإذا أذكر لهم يوم الجزاء قالوا: ما تمّ إلا الخير ونحو ذلك، فجعل الله في هذه الآية، مذمّة للمشركين وموعظة للمؤمنين كمد للأولين وإنتشالا للآخرين"(1).
(وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الاِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ):
هذا توصيف آخر لطبع آخر من طبائع النفس البشرية عامّة لا تخصّ أهل الشرك وحدهم، وهو يتناول الجانب الفعلي السلوكيّ، فهو -أيضا- متقلب فيه كالجانب القولي، فما يكاد يتنعمّ بنعمة من الله يغدقها الله عليه إبتلاء أو إمتحانا حتى تبطره تلم النعمة فينشغل بلذاته ويتهافت على نزواته ناسيا شكر المنعم في قليل أو كثير، وإذا أصابه مكروه نفد صبره وأخذع الجزع، فليلجأ إلى ربّه متضرّعا يلح إليه بالدعاء، ليكشف عنه الضراء، ووصف الدعاء "بالعريض" استعارة شبه فيه الدعاء والشكر بالمكان الفسيح العريض.
وليس في الوصفين لتقلب أحوال الإنسان تكرار كما يبدو للنظرة العجلاء، ولكنه تفنن بديع يلائم وضعية الإنسان من الإيمان وعدمه، أو من قونه وضعفه فالوصف الأول هو الغالب على الكفار ومن هم على شاكلتهم من المسلمين الجغرافيين الشكليين، وأما الوصف الثاني فهو أعمّ إذ يعكس حالة الإنسان العادية من الهلع والإشفاق على حاضره ومستقبله، غير أن الإيمان القويّ بالله وإدمان ذكره والتقرب إليه يجعل الإنسان متوازنا، فيشكر الله عند النعماء، ويصبر عند الضراء فهو دائما على خير كما قال رسول الله.
-والله أعلم-
الدعوة إلى إعادة النظر والتأمّل في دلائل صدق القرآن.
أ) - النصّ:
(1) 1 - التحرير والتنوير: جزء 25 صفحة: 13.