سورة الشورى
الجزء ١٦ · صفحة ٢٨٧(ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبِّي): الإشارة بالبعيد للتعظيم، والمشار إليه هو لفظ الجلالة في قوله: (فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ): ثم تتوالى على لسان رسول الله تلك الميزات للذات الإلاهية لإبطال ذلك التصوّر الفاسد في معتقد المشركين لحقائق الربوبية والألوهية، فرسول الله يشهد أن الله هو الإله الحق المتفرد بالوحدانية، والمتصف بالكمال المطلق، فهو يتوكل عليه وحده، وينيب إليه دون سواه طلبا لعفوه ورجاء في عونه، ورضوخا لأحكامه، والرسول بهذه الطريقة الإيحائية المؤثرة يبعث الطمأنينة في نفوس المؤمنين ويركز خطواتهم على نهج الله، فلا يلتفت إلى غيره مما يشرّعه الناس لأنفسهم من القوانين والأنظمة المتقلبة، وحتى تستقرّ هذه الحقيقة وتتركز في النفوس أكثر بيّن الله مجال القدرة الإلهية في الآفاق وفي الأنفس فقال: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنَ اَنفُسِكُمُ أَزْوَاجًا وَمِنَ الاَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ): أي إن هذا الرّبّ العظيم المنزل لأحكام كتابه هو خالق السماوات والأرض، وأنتم جزء منهما، وما شؤونكم في حياتكم إلا وهي خاضعة لتدبيره الحكيم في تصريفه لشؤون السماوات والأرض، وهو الذي أجرى حياتكم وحياة الأنعام التي سخرها لكم أجراها على قاعدة الزوجية من الذكر والأنثى فتتكاثرون كما شاء وقدّره كما تتكاثر الأنعام وتتوالد بما يغطّى أرزاقكم ويضمن منافعكم منها.