سورة الشورى
الجزء ١٦ · صفحة ٣٣٣لإفادة معنى القصر في هذا الحكم أعقب نفي السبيل بإثباته هنا، وأكد القصر: "بإنما" والمراد بالسبيل الجزاء الدنيويّ والأخرويّ، والحكم يشمل كل ظالم من الناس، سواء المتحدث عنهم من مشركي مكة أو من معهم من المسلمين ومن يأتي بعدهم، والبغي هو الاعتداء على حقوق الغير من لك ما منحه الله من الحقوق لخلقه. (بِغَيْرِ الْحَقِّ): يقع موقع الحال لزيادة للتأكيد، إذ لا يكون البغي إلا بغير الحق، وجملة: (أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ): بيان لجزاء الباغين الظالمين، بأن لهم عذابا أليما في الدنيا والآخرة.
يقول المتنبي في شأن الظلم:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد … ذا عفة فلعلة لا يظلم.
ويقول: زهير في مدافعة الظلم:
ومن لم يزد عن حوضه بسلاحه … يهدّم، ومن لا بظلم الناس يضلم
ذ
(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَالِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ): الجملة معطوفة على قوله: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ): وتعتبر الغاية في الكمالات الإنسانية للمتصفين بالصفات المتقدمة ولذلك أكدت بتلك المؤكدات الأربعة، اللام، وإن، ولام الابتداء، والوصف بالمصدر. ولا يرقى إلى الاتصاف بالصفح والغفران على من ظلم إلا من ذكره الله في سورة "آل عمران" من المحسنين المستحقين لنعيم الجنة في قوله تعالى: (الذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134) والذين قال فيهم في سورة فصلت: (وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (35) وعزك الأمور هي جلائل الأعمال والصفات التي يمتاز بها كبار النفوس، فمثل هذا التعامل الكريم بين المسلمين مطلوب ومرغوب فيه، وأما مع الخصوم والأعداء، فيجب أن توزن المواقف في العفو أو المؤاخذة وفق ما تقتضيه مصلحة أمن المجتمع والمحافظة على كرامته.
-والله أعلم-