نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الشورى

الجزء ١٦ · صفحة ٣٤٣

(فَإِنَ اَعْرَضُوا فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا اِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ): تفريع على قوله: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم): وقد أمر الله رسوله من قبل بقوله: (فَلِذَالِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعَ اَهْوَآءَهُمْ) (15). وإذ لم يستجيب أكثرهم لتلك الدعوة، فإنه تعالى في معرض التسلية لرسوله يحدّد مهامّه في التبليغ ليس إلا، ويلاحظ الالتفات من ضمير الخطاب إلى الغيبة احتقار الجانب المعرضين: (فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا): أي لا تقع عليك مسؤولية محاسبتهم إذ الحفيظ فيه معنى المراقبة والمحاسبة، لأن ذلك إلى الله وحده، ثم بين الله سبب ذلك الإعراض والعناد فقال: (وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الاِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةُم بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الاِنسَانَ كَفُورٌ): عطف الله هذه الآية على سابقتها، ودائما في معرض التسلية لرسول الله ببيان طبيعة الإنسان المتقلبة حتى مع خالقه المنعم فهذه هي حالته من التقلب ما بين الفرح والطغيان عند السراء، والسخط والكفران عند الضراء، على أن التعبير جاء في الحالة الأولى. "فإذا" التي تدلّ على تحقق الوقوع من إغداق نعم الله، بينما جاء "بإن" التي تدل على الشك في وقوع الحالة الأخرى من اليأس والقنوط، بما يسبّبه هو بذنوبه ومعاصيه، ويعفو المولى عن الكثير كما تقدم في سورة "فصلت".

(فَإِنَّ الاِنسَانَ كَفُورٌ): حكم مؤكّد من الله بغلبة الكفر والجحود على هذا الإنسان لغلبة هواه عليه وضعف الإيمان في قلبه، ولم يستثن الله تعالى من هذا الوصف إلا الصالحون من عباده كما في سورتي العصر والزيتون، ثم عقب الله على هذا الحكم العام قوله:

٥٬١٩٣ / ٦٬٧٦٧