سورة الزخرف
الجزء ١٦ · صفحة ٣٩٧وهذا التفاخر بعزة الملك والتباهي بأنهار مصر وخيراتها بما كان يغدق عليها نهر النيل وفروعه، يقابله تعاظم قريش على رسول الله وأصحابه بمالها وعظمائها من القريتين، وهم لا يفرقون بين الحظوظ المادية الصرفة التي قد يقسمها الله على من كفر به –كما تقدم- وبين الحظوظ الروحية التي لا تخضع للمعايير الدنيوية ولا يحبوبها الله إلا الأوفياء الأطهار من عباده ولا يقتصر فرعون على التعاظم بما هو له من خصوصية الملك وزينته، بل يعتدها إلى التنقيص من خصه والتعيب عليه أمام أتباعه مما يدلّ على الخسّة والرضاعة في الخصومة: (أَمَ اَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ): وهل حقت اللعنة الأبدية على الشيطان إلا بإدّعاء خيريته على آدم عند ما قال لربّ العالمين: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) (ص:76). ومتى كان الفقر واليتم مهانة؟؟ … وهل الكمال الإنسانيّ إلا قرين الفقراء واليتامى –غالبا- والأخسّ من ذلك أن يصف فرعون موسى باللكنة والعيّ تلك الآفة التي عافاه الله منها مستعيبا دعاءه .... (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي) (طه:27 - 28). فقال تعالى: (قَالَ قَدُ اُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى) (طه: 36). وطلب مجيء الملائكة مع الرسول هو شيء مكرّر ممجوج على لسان الظلمة الطغاة.
(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ): تفّرع هذا الإستخاف بعقول القوم على ذلك النداء، ويبدو أن القوم كانوا في بؤرة من التأمّل الواعي والتأثر بما شاهدوه من الآيات على يدي موسى غير أن فرعون عاجلهم بذلك النداء التقريريّ بجذب انتباههم إليه مرة أخرى ودفعهم إلى الخضوع والإتباع وفي نفوسهم ركون إلى الاغترار والانخداع.