نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الزخرف

الجزء ١٦ · صفحة ٤١٣

وقد حفل القرآن بوصف نعيم الجنة بالأسلوب الذي نستعمله في زينة الدنيا ومتاعها، من أنواع أطايب الأطعمة والأشربة والألبسة ومن متاع الأزواج كما جاء في هذه الآية التي تصف مجلس الأنس حيث تدار كؤوس الشراب في آنية من ذهب على يدي غلمان كأنهم اللؤلؤ المكنون ثم يلخّص الله قمة ذلك المتاع بقوله: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الاَنفُسُ وَتَلَذُّ الاَعْيُنُ): مما لا تستطيع عقول البشر أن تتصور متعة ذلك النعيم، لأنه كما ورد في الحديث القدسيّ: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»(1). ثم بأسلوب الإلتفات من ضمير الغيبة إلى الخطاب تأتي البشارة الغظمى التي تكون صمام الأمن لتلك المتعة كلها في قوله تعالى: (وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ): جيء بالجملة الأسمية لزيادة الدلالة على الدوام والبقاء، فما سبب ذلك الجزاء؟ قال: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ):

الإشارة إلى الجنة لمزيد من لفت الإهتمام وقوله: (أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ): أي بسبب عملكم، ولا تعارض بين الآية وحديث: «لن يدخل الجنة أحدكم عمله» وقد قال: ابن مسعود: «تدخلونها برحمة الله، وتقسمون منازلها بأعمالكم»(2). وتوجيه ذلك أن أعمال العبد في الدنيا مهما عظمت وخلصت لله فإنها عند الحساب والتقييم لا تفي بحق، أصغر نعمة من الله لهذا الإنسان فكيف بدخول الجنة لولا فضل الله ورحمته.

(لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَاكُلُونَ): خصّص الله الفاكهة بالذكر ووصفها بالكثرة، لأن الفاكهة مما لا يتوفر لجميع الناس في الدنيا وقوله: (مِّنْهَا تَاكُلُونَ): لأن الكثير يراها في الدنيا ولا يأكلها وفي مقابل ذلك فريق المجرمين، يترقب السامع كيف يكون مآلهم؟ فقال:

(1) 1 - الحديث:

(2) 1 - الحديث:

٥٬٢٦٣ / ٦٬٧٦٧