نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الجاثية

الجزء ١٦ · صفحة ٤٧١

وقد نقل الإمام ابن عاشور عن الإمام القرطبّي قوله في الموضوع: "وقد تكرّر في القرآن مثل هذا الأمر بالصفح عن المشركين والعفو عنهم والإعراض عن أذاهم، ولكن كان أكثر الآيات أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم في نفسه، وكانت هذه أمرا له بأن يبلغ للمؤمنين ذلك يشهر بأن الآية نزلت في وقت كان المسلمون قد كثروا وأحسّوا بعزتهم، فأمروا بالعفو وأن يكلوا أمر نصرهم إلى الله تعالى"(1) انتهى.

قلت: تذكر الروايات عدة أسباب للنزول تتعلق بسيدنا عمر حين شتمه أحد المشركين فهمّ بقتله، فنزلت الآية، مما يدلّ على أن هذا التوجيه الإلاهي إنما يكون في القضايا الفردية بين الأشخاص، لا تقابل فيها السّيئة بمثلها، أما القضايا العامّة التي تهدّد كيان الإسلام فلا بد فيها من الردّ الحازم كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) (التوبة:36).

وقوله تعالى: (لِيَجْزِيَ قَوْماَم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ): تعليل للأمر بالعفو والمغفرة، أي إنه تعالى يجزي المؤمنين على صبرهم وتحمّلهم، يجزيهم بالنصر وذخر أعدائهم وجيء بلفظ: (قَوْماَ): بصيغة التنكير للتعظيم وأنهم لهم حرمتهم عند الله.

ثم أوضح الله في حكم عام أن الإحسان والإساءة في المعاملة تعود على المحسن والمسيء بالخير أو بالشر ثم يصير الجمع إلى الله للجزاء الأخرويّ، أما الجزاء الدنيوي العاجل فهو مرهون بمشيئة الله، فمن أمهله الله ولم يعجل بجزائه في الدنيا فلا ينفلت من الجزاء الأخرويّ الذي لا ظلم فيه.

-والله أعلم-

اختلاف بني إسرائيل على نعم الله

واصطفاء الأمة المحمّدية بالرسالة الإنسانية.

أ) - النصّ:

(1) 1 - التحرير والتنوير: جزء 25 صفحة: 338.

٥٬٣٢١ / ٦٬٧٦٧