سورة الأحقاف
الجزء ١٧ · صفحة ١٨ثم خصّص الله بالذكر الأمّ وبيّن سبب تخصيص التوصية بها لزيادة التأكيد والعناية بها فقال تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهًا وَوَضَعَتْهُ كَرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا): ففي هذه الآية الكريمة، وفي قوله تعالى في سورة لقمان: (وَوَصَّيْنَا الاِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنُ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (14). فهي أعظم حقا من الأب لما تقاسيه من المتاعب والآلام في حمل الطفل ووضعه وإرضاعه، ولكن هذا الإمتياز الذي لها في ذلك الحق، لا يضعف من حق الأب لأنه الراعي والكفيل للأمّ والأولاد جميعا، فقد ورد في السنة أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمّك، قال ثم من؟. قال: ثم أمّك، قال ثم مَن؟ قال ثم أمّك، قال: ثم مَن؟ قال: ثم أبوك»(1). وفي قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا): كما استنبطه الإمام عليّ –كرم الله وجهه- وذلك من قوله تعالى في مدة الرضاع: (وَالْوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنَ اَرَادَ أَنْ يُّتِمَّ الرَّضَاعَةَ) (البقرة233). فإذا طرحنا أربعة وعشرين شهرا -وهو أكثر مدة الرضاع- من ثلاثين شهرا بقي للحمل ستى أشهر، وذلك هو ما قضى به عثمان رضي الله عنه وجماعة من الصحابة في إمرأة تزوجت فولدت لتمام ستة أشهر فالحق الولد بأبيه بعد أن عزم على رجمها بالزنى ثم قال تعالى:
(حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيَ أَنَ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنَ اَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ):
(1) 1 - الحديث: رواه مسلم.