نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأحقاف

الجزء ١٧ · صفحة ١٩

وأمام الوصية بالوالدين والإشادة بتضحيتهما النبيلة فإن واقع الأولاد يختلف أزاء قيامهم بواجب الطاعة والإمتثال لأوامر الله إيجابا وسلبا، فيعرض النصّ الكريم نموذجين متضادين من الأولاد، في مجال البرّ بالوالدين أو عقوقهما، فبدأ بالنموذج الطيّب الصالح الذي يحمل في نفسه تلك العاطفة النبيلة ويزكو قلبه بتلك الخوالج الطيبة وهو في مرحلة الرشد والنضج التي تكتمل في سنّ الأربعين يقف ليتأمل ما مضى من عمره ويتدبّر ما بقي منه، فإذا بالنفس الصالحة تلتفت إلى الماضي لتستجلي نعم الله الضافية عليها وعلى والديها، وهي لا تكاد تقوى على شكرها وأداء حقها، فهي تستعين بربها لتنهض بواجب الشكر، لأنه واجب ثقيل: (رَبِّ أَوْزِعْنِيَ أَنَ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) (النمل:19). ثم تستشرف رضى الله بالعمل الصالح وترجو استمرارية ذلك الصلاح في العقب والذرية في أمل فياض وحسن ظن بالله تخشعا وتذللا: (وَأَنَ اَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ):

فما هو جزاء هذا النموذج الصالح، إنه ما أفصح عنه قوله تعالى:

(أُوْلَئِكَ الذِينَ يُتَقَبَّلُ عَنْهُمُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيُتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ):

إنه حسن القبول لصالح أعمالهم والعفو عن سيّئاتهم وذنوبهم، وهم في زمرة أصحاب الجنة، كما وعد الله بذلك ووعده الحق وهو لا يخلف الميعاد وفي مقابل هذا النموذج الطيّب يعرض النصّ النموذج السيء المنحرف العاق لوالديه في موقف نصح وإرشاد يتصل بعقيدة الإيمان باليوم الآخر قال تعالى:

٥٬٣٦٩ / ٦٬٧٦٧