نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأحقاف

الجزء ١٧ · صفحة ٤٦

وهم الذين خصّصهم الله بالذكر بعد ذكر عموم النبيين فقال: (وَإِذَ اَخَذْنَا مِنَ النَّبِيئِينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (الأحزاب:7). وقيل: إن (مِنَ): بيانية فيكون الأنبياء كلهم أولى العزم، وقوله تعالى: (وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ): الضمير يعود إلى كفار مكة، نهاه الله أن يستعجل لهم العذاب وذلك بأن يدعو عليهم، وقد قال تعالى لرسوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ) (الأنفال:33). فهو تعالى يمهل ولا يهمل فإن العذاب واقع بهم -لا محالة- على الكيفية التي يقدرها الله وفي الوقت الذي يحدّده: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارِم بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ): جاءت هذه الجملة تعليلا للنهي عن الإستعجال ليبيّن الله أن العذاب واقه بهم فلا يؤثر في ذلك تطويل أجله، وهم حين يقع عليهم تبدو لهم المدة التي مكثوها في الدنيا، وإن طالت أعمارهم تبدو لهم كأنها ساعة من نهار لما يلاقونه من الهول العظيم وهذا نظير قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً اَوْ ضُحَاهَا) (النازعات:46).

وقال الشاعر:

كأنك لم تسبق من الدهر ليلة … إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب

وقال آخر:

كأن شيئا لم يكن إذا مضى … كأن شيئا لم يزل إذا أتى

(بَلاَغٌ): والتقدير: "هذا بلاغ" فهو من الكناية أو التبليغ، أي في ما تقدم من السورة، كفاية لموعظة الناس مؤمنهم وكافرهم أو يكون معناه: القرآن بلاغ كاف للناس على طريقةما يستعمل في الإعلام المهمّ من الدوائر الرسمية، ولله المثل الأعلى، فيقال: "بلاغ من رئيس الدولة، مثلا أو بلاغ من وزارة كذا نظيره قوله تعالى: (هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ) (إبراهيم:52).

٥٬٣٩٦ / ٦٬٧٦٧