سورة محمد
الجزء ١٨ · صفحة ٩د) - البيان والتّفسير:
بعد ذلك التمهيد ببيان صنف المؤمنين والكافرين وحال كل كمهما عند الله من الإصلاح والإضلال ذكر الله تعالى حكم القتال عند قيام الحرب وما يكون بعده فأرشد المؤمنين إلى كيفية التعامل مع الأسرى فقال:
(فَإِذا لَقِيتُمُ الذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاَم بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا):
فرّع الله على ما سبق من إذكاء الحماس والنخوة في قلوب المسلمين لقتال أعدائهم، وذلك بعد أن تهيأ الجوّ في المدينة وأذن الله لهم بذلك، وبعد أن خاض المسلمون أول مواجهة مع أعدائهم في غزوة بدر وما وقع بعدها من اجتهاد الرسول وأصحابه بحكم الفداء لأسراهم، وهم ما يزالون قلة فعاتبهم الله على ذلك بقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيءٍ اَنْ يَّكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الاَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الاَخِرَةَ) (الأنفال:67). ويرى المفسّرون أن هذه الآية من سورة "محمد" نزلت بعد آية الأنفال، لما ورد فيهما من لفظ: "الإثخان" ومعناه أن يستحرّ القتل في الأعداء حتى تخضد شوكتهم ويهون شأنهم. والمقصود بلقاء الذين كفروا لقاء الاحتراب والقتال. و (إِذا): تفيد الاستقبال وتتضمن معنى الشرط والذين كفروا مصطلح قرآني يعمّ كل شرك من كل من خرج لقتال المسلمين حتى من النساء والصبيان والرهبان كما ذهب إلى ذلك العلماء وجواب الشرط هو قوله تعالى: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ): أي قطعها بالسيف ونحوه فهي كناية عن القتل بأيّ وسيلة كانت قديما وحديثا كما تقتضيه طبيعة الحرب بلا ترّدد ولا هوادة، بل غليظة وقساوة حتى خضد شوكة الأعداء وتوهين قوّتهم ثم وقوعهم أسرى في أيديكم وقد انتهت الحرب، فأحكموا وثاقهم بوضع القيود في أيديهم وأرجلهم لئلا ينفلتوا أو يهربوا.