سورة محمد
الجزء ١٨ · صفحة ٢٣وثلث الله بالخسر ووصفه بأنه لذّة للشاربين، والخمر في الأصل هو عصير العنب التي يترك حتى يتخمّر أو هو ماء تنقع فيه بعض الثمار حتى تتخمّر، فالعرب يشربون أنواعا من ذلك، فهي لذيذة الطعم طيّبة الرائحة، وليست كخمرة الدنيا مرّة المذاق.
وقد قال يوما عبد الملك بن مروان لشاعر بلاطه: "الأخطل الكبير" كيف تشرب الخمر وأوّلها مرّ وآخرها سكر فأجابه إن بين المرارة والسكر لحظة دونها ملكك الطويل العريض يا أمير المؤمنين ثم أنشد يقول:
إذا ما غلام غلني ثم غلني … ثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجت أجرّ الذيل حتى كأنني … عليك أمير المؤمنين أمير
ويقول تعالى في وصف خمر الجنة: (يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَاسٍ مِّن مَّعِينٍ* بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ* لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) (الصّافات: 45 - 47).
ولا تكون الخمر إلا على موائد المترفين فهي من حيث الأخذ والاستعمال في المرتبة الثالثة.
ويأتي العسل في آخر الترتيب، وهو محدود في المشروبات لقوله تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الاَنْعَامِ لَعِبْرَةً نَّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ) (المؤمنون:21).
(ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنم بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ اَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل:69).
ووصفه "بالمصفى" لاستخراجه من خلايا النحل مخلوطا بالشمع والنفايات الأخرى، فهو وإن تعددت منافعه الشفائية –كما وصفه الله- فليس من المشروبات الضرورية. يقول الدكتور الزحيليّ في سبب هذا الترتيب:
"وإنما ذكر الله تعالى هذه الأجناس الأربعة من "الأنهار" لأنها جمعت بين الضرورة "الماء" والحاجة "اللبن" والمنعة "الخمر غير المسكرة" والعلاج "العسل""(1)
(1) - التفسير المنير: جزء 26 صفحة: 103.