سورة محمد
الجزء ١٨ · صفحة ٢٤قلت: بناء على مقولة ابن عباس رضي الله عنه ليس في الآخرة مما عرفناه في الدنيا إلا الأسماء، وقول العلماء: "وأحكام تلك الدار ليست كهذه" وبناء على الحديث القدسيّ: «أعددت لعبادي المتقين مالا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»(1). فإننا تؤمن ونجزم بكل ما وعدنا الله به عن ظهر الغيب ونكل إدراك حقائق ذلك إلى قدرة الله الذي قال: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ* عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (الواقعة:60 - 61). ثم ذكر من المطعومات قوله: (وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ): فالتعريف للجنس يشمل كل ما خلق الله تعالى من الثمار مما علمناه وما لم نعلمه، فنحن اليوم في الدنيا قد نعجب لنوع من الثمار يأتينا من قارات أخرى لم نألفه في منطقتنا فيصبح من أغلى مشتهياتنا فكيف بثمار الجنة" .... أذاقنا الله منها.
وفوق الملذات الحسّية، مغفرة من الله ورضوان، فهي أعظم من كل ما تقدم من المتع الحسية لقوله تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التّوبة:72). ثم قابل الله بين جزاء المتقين وجزاء الكافرين بصيغة التشبيه المفيد لإنكار التسوية بين حال الفريقين فقابل تلك المشروبات الطيّبة لأهل الجنة بالماء الحميم –أي الشديد الحرارة- يسقى به أهل الجحيم فيقطع أمعاءهم، والمعهود من آلام الأحشاء أنها تتسّبب كلها عن مغص الأمعاء بنوعيها الرقيق والغليظ. وفعل: (سُقُوا): يدلّ على أنهم يستغيثون ويطلبون السقيا فيسقيهم ملائكة العذاب من ذلك الشراب الحارّ كما قال تعالى: (وَإِنْ يَّسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِيسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا) (الكهف:29).
(1) - الحديث.