سورة محمد
الجزء ١٨ · صفحة ٤٤(أَمْ): منقطعة بمعنى الإضراب الانتقالي وهو يتضمن استفهاما إنكاريّا، وجاء التعبير عن النفاق بمرض القلب تعبيرا تصويريا بجامع الإضرار بصاحبه، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمان فهو عليهم بما في ثناياها قادر على إبراز ما تحمله من دباغ السوء لخلقه، فتنكشف حقائقها للناس يقول الحكيم زهير بن أبي سلمى:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة … وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ويقول تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق:16). فالله تعالى كشف لرسوله أولئك المنافقين، فعرفهم من خلال سلوكاتهم، وتخبّط أقوالهم
(وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ):
الخطاب لرسول الله وقد كان المنافقون يحرصون علة إخفاء حقيقة أمرهم علة المسلمين بما يتقنونه من أساليب المراوغة والنفاق، وفي هذه الآية يهدّدهم الله بأنه يكشف أحوالهم ويقول للرسول لو نشاء لأريناك أشخاصهم فتعرفهم بعلاماتهم التي ينشرون بها، وكان ذلك قبل أن يعلمه الله بأسمائهم واحدا واحدا، ولكنه تعالى شر الكثير منهم على الصحابة فكانوا لا يعرفون أحدهم حتى إذا مات قال: «صلوا على صاحبكم». بعد أن نهاه الله عن الصلاة على المنافقين فسيرفون بذلك أنه منافق، ولم يخبه الرسول أحدا من أصحابه، جم إلا لحذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- صاحب سرّه وكان الرسول يعرفهم -أيضا- بانحراف منطقهم عندما يخاطبونه وقال آنس -رضي الله عنه- ما خفي على رسول الله بعد نزول هذه الآية شيء من أمر المنافقين.