نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجرات

الجزء ١٨ · صفحة ١٣٦

أما حسن الظن بالخالق تعالى فهو من كمال الإيمان لما جاء في الحديث القدسيّ: «أنا عند ظن عبدي بي»(1). ولا يظن بالله سوء إلا الكافرون والمنافقون، يقول تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّآنِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا) (الفتح: 6).

(وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا اَيُحِبُّ أَحَدُكُمُ أَنْ يَّاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيِّتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ):

وفيه قراءة "بالحاء" ولا تحسّسوا وهما قرينان في المعنى، وقد جمعها الرسول في حديث: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا»(2).

وقد فرّق اللغويون بينهما بقولهم: التجسّس هو البحث عما هو مكتوم بطرق خفية، والتحسّس –بالحاء- هو تسقط الأخبار والبحث عنها، والواقع إن الدافع لذلك هو سوء الظن سيما إذا تمكّن من النفس، فإن صاحبها لا يهدأ له بال وقد طغى عليه الوهم والشك فلا ينفك عن تتبع عورات الناس وإلتماس عيوبهم.

والجاسوس لا يكتفي بمعرفة ذلك لنفسه بل يفعل ذلك لغيره كما أصبح ذلك متعارفا عليه لدى الأمم.

فالآية الكريمة تنهى عن كشف عورات الناس وتتبع سقطاتهم في زواياهم وخباياهم، فهذا رسول الله المؤيّد بالوحي تعامل مع المنافقين بحسب ظواهرهم بين جماعة المسلمين، وكان من توجيهاته عليه السلام الدعوة إلى التصوّن والتستر. كما في حديث: «من ستر أخاه المسلم في الدنيا ولم يفضحه ستره الله يوم القيامة»(3).

(1) 3 - الحديث:

(2) 1 - الحديث: رواه الشيخان.

(3) 2 - الحديث:

٥٬٥٣٣ / ٦٬٧٦٧