نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجرات

الجزء ١٨ · صفحة ١٣٧

وفي حديث آخر: «لا تؤذوا عباد الله ولا تعيّروهم ولا تطلبوا عوراتهم، فإن من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته»(1). ولسّيدنا عمر رضي الله عنه أيام خلافته قصص مع كثير من الأصحاب تجسّس عليهم من شدة حرصه على أمور الرعية، ولكن هؤلاء ألزموه الحجة بهذه الآية الكريمة من ذلك أنه حدث أن أبا محجن الثقفي كان يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو محجن: إن هذا لا يحلّ لك، فقد نهاك الله عن التجسّس، فخرج عمر وتركه.

وجدير بالملاحظة في هذا المقام أن التجسّس المنهي عنه هو الذي يضرّ المسلمين فردا أو جماعة، أما ما هو ضروريّ لدرء الأخطار عنهم مما يكيد به أعداؤهم فلا يشمله هذا النهي إذ كان النبي يبث عيونه للإطلاع على تحركات العدوّ، ومن هذا النوع الجائز لضمان أمن المجتمع تعقب قوات الأمن لجماعات المجرمين.

قال تعالى: (وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا اَيُحِبُّ أَحَدُكُمُ أَنْ يَّاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيِّتًا فَكَرِهْتُمُوهُ): نهى الله عن الإغتياب وهو أن تذكر أحدا في غيبته بما لا يحبّ أن يذكر به، والإسم منه الغيبة، وفرّق بعض العلماء بين الغيبة والإفك والبهتان وكلها ورد في كتاب الله فقالوا: الغيبة: أن تقول في أخيك ما هو فيه. والإفك: أن تقول فيه ما بلغك عنه، والبهتان: أن تقول ما ليس فيه.

وجاء التعبير: (وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا): ليكون شاملا ولم يقل في هذا النهي: "لا تغتابوا أنفسكم" كما تقدم في اللمز، وقد علله الإمام الرازي بقوله: "وأما من إغتاب فالمغتاب أولا يعلم عيبه فلا يحمل فعله على أن يغتابه، فلم يقل: "ولا تعتابوا أنفسكم" لما أن الغيبة ليست حاملة للعاتب على عيبه من أعتابه والعيب حامل علة العيب"(2).

(1) 3 - الحديث:

(2) 1 - مجلد 28 صفحة: 134.

٥٬٥٣٤ / ٦٬٧٦٧