سورة الحجرات
الجزء ١٨ · صفحة ١٤٩المنّ والإمتنان هو ذكر النعمة والإحسان ليراعيه المحسَن إليه للذاكر، أو إظهار المزيّة على أحد بما قمته به نحوه وقد نهى الله عنه في سورة البقرة إذ قال: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالاَذَى) (264).
فهؤلاء الأعراب جاؤوا إلى الرسول ممتنين عليه بإسلامهم كأن لهم على النبي مزيّة بذلك وقد جعل الله المنّ مبطلا لثواب الصدقات، ولذلك كانت صدقة السرّ أحظى ثوابا عند الله، .... الله رسوله أن يجيب أولئك الأعراب بقوله: (لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُم): فلم يذكر الله هنا الإيمان لأنه قال لهم من قبل: (لَّمْ تُومِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا): فإسلامكم هو لأنفسكم ولئن كنتم صادقين في إيمانكم حقا فيجب أن تعتقدوا أن الفضل والمنة لله أن هداكم للإيمان، لأن ذلك هو أعظم منة منه تعالى، إذ هي أعظم من نعمة الإيجاد والخلق.
يقول عنها السيد قطب: -رحمه الله-: "إن الإيمان هو كبرى المنن التي ينعم الله بها على عبده من عباده في الأرض، إنه أكبر من منة الوجود الذي يمنحه الله إبتداء لهذا العبد وسائر ما يتعلق بالوجود من آلاء الرزق والصحة والحياة والمتاع، إنها المنة التي تجعل للوجود الإنساني حقيقة مميزة، وتجعل له في نظام الكون دورا أصيلا عظيما".
إلى أن يقول: " وصدق الله العظيم، فماذا فقد من وجد الأنس بتلك الحقائق والمدركات وتلك المعاني والمشاعر وعاش بهما ومعها، وقطع رحلته على هذا الكوكب في ظلالها وعلى هداها"(1).
(إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرُم بِمَا تَعْمَلُونَ):
يأتي هذا التأكيد لعلم الله الشامل المحيط لما في السماوات والأرض لا في الظواهر والأشكال وإنما في الحقائق والأسرار والماهيات ويعلم مشاعر النفوس وسرائر الضمائر، ويبصر أعمال خلقه ويحصيها عليهم إن خيرا أو شرّا.
(1) 1 - إقرأ الصفحات 144 إلى 149 ظلال القرآن جزء: 26.