سورة الحجرات
الجزء ١٨ · صفحة ١٤٨أي هم تائبون على الطريق المستقيم مدى حياتهم مهما تغيرت أحوالهم، وهنا يذكر الله العلامات السلوكية الدالة على الإيمان الحقيقي للقلب ويقول: (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ): أي يبذل أغلى ما يملكه في نصرة دين الله وإعلاء كلمته من روحه وماله عندما ينادى داعي الجهاد في سبيل الله، فلا يبخل ولا يضعف ولا يتخلف، فتلك هي علامات الإيمان الصادق الحقيقي في ميزان الله وحكمة.
(أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ): أي لا غيرهم من إدعياء الإيمان بألسنتهم، أكّد الحكم بتعريف الطرفين وبضمير الفصل، فذلك هو المحك الصادق الذي يعطى حكم الإيمان الصادق عند الله، يصلح لكل أصناف الناس من أدعياء الإيمان في كل زمان ومكان، ذلك هي وسيلة الإختبار عند الناس وأما الله تعالى فهو أعلم بخائنة الأعين وما تخفى الصدور، فقد أمر رسوله أن يقول لأولئك الأعراب بصيغة الإستفهام.
(قُلَ اَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ):
قل يا محمد لأولئك الأعراب بصيغة التوبيخ: (اَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ): (تُعَلِّمُونَ): بالتضعيف للمبالغة في إيصال العلم، مما يدلّ على أن أولئك الأعراب قد ألحّوا في الإستدلال على خلوص إيمانهم لإقناع رسول الله بذلك ولكن الله العليم بذات الصدور هو أعلم بحقيقة ما في قلوبهم وأنها ما تزال في شك وإرتياب، فمن الغباء والجهل أن يعتقدوا أن الله لا يحيط بكل شيء علما وهو الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأنه بكل شيء عليم.
(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنَ اَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمُ أَنْ هَدَاكُمْ لِلاِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ):