نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة ق

الجزء ١٨ · صفحة ١٨٢

ولما كانت هذه العملية بالنسبة إلى البشر شيئا صعب التحقيق جاء التذييل بقوله تعالى: (ذَالِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ): إذ هو شيء سهل يسير على الله الذي خلقهم وأحصاهم عددت وقدّر أجالهم في الأولين والآخرين، ونحن نشاهد اليوم كيف تحار الحكومات في ضبط المظاهرات الشعبية حين يتداعة الناس إلى المطالبة بحق من الحقوق، فإذا تصوّرنا حجم الخلائق من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة فإننا لا نلبث أن نعجب مع الشاعر المعرّي حين قال:

صاح هدَى قبورنا نملأ الرحب … فأين القبور من عهد عاد

خففت الوطء ما أظن أديم … الأرض إلا من هذه الأجساد

سر إن استطعت في الهواء وريدا … لا اختيالا على رفات العباد

ربّ لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحك من تزاحم الأضداد

ودفين على بقايا دفين … في طويل الأزمان والآباد

(نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَّخَافُ وَعِيدِي):

بعد أن أمر الله رسوله بالصبر على ما يقوله خصومه وثبته بالمدد الروحاني من التسبيح والتحميد، أخبره هنا بأنه على علم تامّ بما يقولون، وفي ذلك تعريض لهم بالوعيد بأنه تعالى سينتصر لرسوله وينتقم منهم، ثم طمأنه بأنه غير مسؤول على ضلالهم وعنادهم، لأنه لا يملك أن يخبر الناس على الإيمان وشأن الهداية ليس إليه، بل هو لله وحده، ولذلك فرّع الأمر بالتذكير لأن ذلك هو مهمّه وخصّ بالتذكير من يشفع به من المؤمنين الذين يخشون ربهم بالغيب ويخافون وعيده وهم يتجاوبون مع القرآن في إرشاداته ومواعظه، وهذا لقوله تعالى: (فَذَكِّرِ اِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ) (الغاشية:21 - 22) وكفى بالقرآن واعظا لمن كان له قلب منيب أما أولئك الذين تحجرت قلوبهم فعموا وصمّوا فليس فيهم مطمع للاستجابة ولا هم يهتدون.

-والله أعلم-

٥٬٥٧٩ / ٦٬٧٦٧