نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الذّاريات

الجزء ١٨ · صفحة ١٨٥

(هَذَا الذِي): مبتدأ وخبر: الإشارة إلى العذاب وهو من جملة مقول القول.

ج) - البيان والتّفسير:

إن المناسبة بين سورتي "ق" و"الذاريات" قويّة، إذ تركّز كلتاهما على أسس العقيدة شأن السور المكيّة، ولا سيما الإيمان باليوم الآخر في جميع مراحله، فنجد في ختام سورة "ق" الأمر للرسول أن يذكّر بالقرآن من يخاف وعيد الله باليوم الآخر أي من يكون مؤمنا حقا بالقرآن متجاوبا مع ما فيه من الوعد والوعيد، ثم جاءت سورة "الذاريات" لتبيّين صدق ما بينه القرآن من حقيقة يوم الفصل والجزاء وأنه واقع لا محالة فقال تعالى: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا، فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا، فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا).

أقسم الله تعالى ببعض مخلوقاته ذات الشأن العظيم في الدلالة على قدرته وبديع صنعه، وقد تكرّر في القرآن الكريم مثل تلك الأقسام كل منها في السياق المناسب ولله الحكمة في أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته.

أقسم الله بأربع صفات لموصوفات مقدرة طواها النصّ للإيجاز وللإيماء إلى عظمة تلك الصفات لأنها من تدبير خلق الله وبديع صنعه، ويدلّ عطفها بالفاء على تجانسها وتكاملها، ولذلك يرى كثير من المفسّرين على أنها صفات لموصوف واحد، وهي الرياح، ويرى آخرون اختلافات الموصوفات.

فقوله تعالى: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) هي صفة للرياح كما ورد ذلك في تفسير نقليّ عن رسول الله، فالذاريات من فعل: ذرا، يذرو، ذروا، أي بث ونشر، كما قالى تعالى: (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) (الكهف:45). أي تفرقه وتفزّعه، أكّده الله بالمفعول المطلق لإلفات الأنظار إلى تلك الظاهرة الكونية العصيبة من هبوب الرياح على كيفيات مختلفة، لها آثارها العظيمة على الحياة نفعا وضرّا.

٥٬٥٨٢ / ٦٬٧٦٧