سورة الذّاريات
الجزء ١٨ · صفحة ١٨٧(ذَاتِ الْحُبُكِ): أي الطرائق المحدّدة لسير النجوم والكواكب في تخطيط وتنسيق محكم، أقسم الله بالسماء الشاملة لتلك الطرائق لتأكيد المقسم عليه السابق؛ لأن المخاطبين غير واعين بموقفهم أزاء المقسم عليه من حيرة واضطراب أزاء الحق المنزل عليهم، فليس لهم تصوّر واضح في معتقداتهم الفاسدة حول نشأتهم ووجودهم ومصيرهم كما قال تعالى في شأنهم بسورة ق: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ) (5).
(يُوفَكُ عَنْهُ مَنُ افِكَ): يستعمل "الأَفك" -بفتح الهمزة- يستعمل في القرآن للصرف عن الحقّ، واختلف المفسّرون في تحديد معاد الضمير في قوله: (يُوفَكُ عَنْهُ)، والأكثر على أنّ معاد الضمير هو الحقّ، أو الرسول، أو القرآن، أو الدين، فيكون المعنى: يوفك عنه من قدّر الله تعالى عليه أن ينصرف عن الحقّ بخذلان من الله، أو وسوسة الشيطان، أو غير ذلك من الأسباب، أي يكون المصروف عنه هو الحقّ أو القرآن أو الرسول بحسب المقام.
وأما الذين أرجعوا الضمير إلى القول المختلف فيكون المعنى على عكس ذلك إثباتا على الحق وابتعادا عن الاختلاف فيه.
(قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ، الذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ): دعاء بالهلاك والطرد، والخرّاصون صيغة مبالغة من الخرص وهو الظّنّ الذي يدعو إلى الكذب، وصف به أولئك المختلفون في أقوالهم في أصول الاعتقاد مما لا يمكن أن يعتمد فيها إلا على ما أنزله الله من وحيه، وقد وصف الله هؤلاء بأنهم في غمرة ساهون، والغمرة من الغمر، وهو بمعنى التغطية من كلّ الجوانب كما يغمر الماء قيعان الأرض، والسهو هو الغفلة وهم في الحقيقة متغافلون عن الحق الذي يقرع أسماعهم، ولكن أهواءهم غطّت عليهم منافذ الإدراك وزينة الدنيا خبلت أبصارهم.
(يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ، ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ):