سورة الذّاريات
الجزء ١٨ · صفحة ١٩٢فهي جنات تتفاوت في أنواع نعيمها حتى الفردوس الأعلى، وهي عيون تجري بمختلف السوائل كما وصفها الله في سورة "محمد". وشبيه بهذه الآية قوله تعالى في سورة الدخان: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (45).
وقوله تعالى: (اخِذِينَ مَآ ءَاتَاهُمْ رَبُّهُمُ): (اخِذِينَ): منصوب على الحال، وهو مستعمل في حقيقته وفي مجازه، لأنّ المعطَى يكون ماديا وروحيا ويكفيهم تشريفا وتكريما أن ينسب ذلك الإعطاء إلى الرّبّ الكريم، وهو لا يعطي إلا الكريم العظيم بمنّه وفضله، وهم يأخذون ذلك عن رضى وطمأنينة لأنه أجر غير ممنون كما قال تعالى: (لَهُمُ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (فصلت:8). عطاء غير مجذوذ، وأخذ الشيء بالرضى والقبول يمثل عند الإنسان المكرَّم أعظم السرور والارتياح عندما يطمئن إلى كرم المعطي ويقدّر فضله عليه.
ثم يبيّن الله السبب الذي تبرّأ به المتقون تلك المنزلة فيقول: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالاَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ).
ووصفهم بالإحسان هو لبيان منزلتهم العالية عند الله، والإحسان كما وصفه الرسول هو «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لن تكن تراه فإنه يراك». والمحسنون هم من المقربين الذين بلغوا ذروة الإيمان باجتهادهم في النوافل والقربات، وقد بيّن الله أصول ذلك الإحسان بأمور ثلاثة فقال:
أ) - (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ): أي يحرصون على قيام الليل في عبادة ربهم راكعين ساجدين، وأفضل الأوقات لذلك وقت السحر الثلث الأخير من الليل ولذلك خصّه الله بالذكّر فقال: