سورة الطور
الجزء ١٨ · صفحة ٢٣٠ولمزيد الإكرام والتعظيم تقول لهم ملائكة الرحمة مهنئين: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ): فالجملة: (كُلُوا وَاشْرَبُوا)، مقول قول محذوف في موقع الحال، أي أكلا وشربا هنيئين، والهناءة في الأكل والشرب هي من كمال التلذذ بالمأكول والمشروب والانتفاع بهما في صحة البدن، ثم ذكر الله سبب استحقاقهم لذلك الجزاء بأنّه عملهم المخلص لله اعتقادا وسلوكا ظاهرا وباطنا، وكثيرا ما ينصّ القرآن على استحقاق ذلك الجزاء بالعمل الدنيوي، فلا تناقض بينه وبين حديث: «لن يدخل الجنة أحدا عمله، ولا أنا إلا أن تغمّدني الله برحمته».(1) لأن المؤمن الوفي يتيقن بأنه مهما بلغ من طاعة الله على مدى عمره وإن طال فإنه لا يبلغ أن يستوفي حق الله في ما أغدق عليه من النعم ولو مقابل عين واحدة مثلا، إن لم يتدارك الله بلطفه ورحمته، ولكن التنصيص على العمل هو للإشعار بأن الجنة لا تنال بالأمانيّ والأوهام، بل لا بد من الاجتهاد والسعي.
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ) (التّوبة:105). وتتوالى مظاهر نعيم الجنة للمتقين بحسن الإمتاع والمؤانسة في مجالس الأصفياء فيقول تعالى:
(1) 1 - الحديث: