نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الطور

الجزء ١٨ · صفحة ٢٤٣

بعد تفنيد مزاعم المشركين والردّ على شبهاتهم لإثبات أسس العقيدة الإسلامية تختتم السورة الكريمة بتوصية الله لرسوله بما ينبغي أن يتصرف به تجاه الكافرين الميؤوس من استجابتهم للدعوة الإسلامية مع تقوية معنوياته بالاعتصام بالله والإقبال على طاعته والصبر على مكايدهم فإنه تعالى ناصره وراعية. قال تعالى: (وَإِنْ يَّرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَآءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ، فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ، يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ).

قوله تعالى: (وَإِنْ يَّرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَآءِ سَاقِطًا)، معطوف على أقوالهم الماضية لتصوير عنادهم ومكابرتهم حتى في مشاهدتهم للأشياء المحسوسة، فقد تحدّوا الرسول بأن ينزل عليهم كسفا من السماء، كما ورد ذلك في سورة الإسراء، والكسف هو القطعة من الشيء، وعلى فرض أن يتحقق ذلك فإنهم سيكابرون ويتنطعون ويقولون إنه سحاب مركوم، أي سحاب ممطر كما ظن ذلك قوم عاد، فكان ما كان من إهلاكهم به، كذلك هؤلاء الكفار فقد بلغوا من العناد والمكابرة ما لا يمكن أن يرجى منهم إيمان ولا إذعان؛ ولو كان الحق واضحا جليا أمام أعينهم. فما حيلة رسول الله مع أمثالهم؟.

(فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ): فرّع الله على تلك الصفة الدينية أمره لرسوله أن يتركهم على حالتهم تلك في قيام الساعة، وهو يوم الصعق عند النفخة الأولى، وفي ذلك تهديد لهم، وإضافة اليوم إلى ضمير "هم" تفيد الملابسة، وهو اليوم الذي تنقطع فيه حيلهم، فلا يملكون فيه كيدا ولا مكرا برسول الله ولا يجدون لهم نصيرًا. ولا يتعارض الأمر بالإعراض عنهم مع أمر الله لرسوله بمواصلة التذكير وتبليغ الدعوة، وإنما المقصود هو تسليته وتقوية عزيمته في القيام بهمته كما تؤكده ذلك خاتمة السورة.

٥٬٦٤٠ / ٦٬٧٦٧