نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الطور

الجزء ١٨ · صفحة ٢٤٤

(وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَالِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ): وبما أنّ الكفار لا يأبهون بالعذاب الأخرويّ لأنهم لا يؤمنون به أساسا، وبالتالي فإنّ التهديد به لا يترك فيهم الأثر المطلوب وهم يمرحون ويسرحون في متاعهم الدنيويّ، ولذلك أعقبه الله بتهديدهم بالعذاب الدنيوي العاجل بما يصيبهم من الأوجاع والبلايا كما حدث لهم في يوم بدر وفي سنوات القحط والجوع، وقد أظهر الله في مقام الإضمار لإفادة علة ذلك الاستحقاق، وهو الظلم، وليأخذ صفة العموم للظالمين في كل زمان ومكان، ونظير معنى هذه الآية قوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الاَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الاَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (السّجدة:21).

وجاء الاستدراك هنا بقوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)، أي إنهم يستبعدون ذلك وهو واقع بهم -لا محالة-؛ وذلك لأنّ الإنسان تبطره النعمة، فلا يخطر بباله زوالها عنه ولا يتفكّر بعمق في حوادث الدّهر.

(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ):

عندما قال الله لنبيه: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا) (المعارج:42). فإن ذلك من شأنه أن يفسح المجال لأولئك المتمردين لمزيد من المكر والإذاية والاستخفاف برسول الله فيصبح بذلك في أمسّ الحاجة إلى التسلية والتثبيت وإلى المدد الروحانيّ لمواصلة مهمته الشاقة وهو مرهف الإحساس مهتمّ بشأن قومه، وهو بشر قد تستخفه العجلة ويلّح عليه ردع الظلم، وفي مثل تلك الحالة النفسية لا يجد الإنسان متنفّسا إلا في الاستسلام لحكم الله في ما قضى به وفي ما قدّره من تصريف تلك الأحوال، فلله الحكمة البالغة في ذلك، وقد تغيب تلك الحكمة عن الإنسان فيخطئ في التعليل والتقدير.

٥٬٦٤١ / ٦٬٧٦٧