نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّجم

الجزء ١٨ · صفحة ٢٦٩

بعد بيان سعة علم الله وقدرته العظيمة وعدله الكامل في توفية الجزاء يوم القيامة بأهل الإساءة والإحسان وأرشد إلى ما ينبغي علينا من الابتعاد عن الثناء وعن تزكية أنفسنا لأنه أعلم بخبايانا أعقبه هنا بالردّ على توهّم من توهمات المشركين الباطلة حول قانون الجزاء الرّبّاني، وبيّن أن جميع الشرائع المتقدمة كشريعة إبراهيم وموسى، تقرّر مبدأ المسؤولية الشخصية والتبعة الفردية.

ثم ينتقل النصّ إلى بيان ربوبية الله في تصاريف الكون وكيف يغاير أحوال الدنيا على الناس ويعجّل بالهلاك للطغاة المتجبرين فقال تعالى: (أَفَرَآيْتَ الذِي تَوَلَّى، وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى، أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى).

هذا الاستفهام التعجبي المفرّع عما سبق، والخطاب فيه لغير معيّن، والذي تولّى عن دينه قد تعددت الروايات في تعيين شخصه، فقيل: هو العاصي بن وائل، وقيل: هو أبو جهل، وقيل: النضر بن حارث، وقيل: هو الوليد بن المغيرة قد مال إلى اعتناق الإسلام خوفا من عذاب الله، ثم تولّى عن ذلك ظنا منه أنه يستطيع أن يشتري بماله من يتحمّل العذاب عنه، إذ أعطى قليلا من المال ثم أحجم عن ذلك شحّا وبخلا. فقوله تعالى: (وَأَكْدَى) تعبير مجازي يشبه فيه الممتنع عن بذل المال بعد إعطاء القليل منه تشبيهه بمن يحفر بئرا فاعترضته صخرة صلبة منعته من مواصلة الحفر، فالذي صرف هذا الرجل عن بذل المزيد من ماله هو تعلقه بالحياة الدنيا.

(أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى): استفهام إنكاريّ قدّم المسند على المسند إليه للاهتمام بهذا الإدّعاء التوهمّي لاستبعاد أن يكون لهذا الرجل إطلاع بعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فكيف يعلم أن هذا الذي أعطاه شيئا من ماله يتحمّل عنه العذاب كلا فليس الأمر كما يظن.

٥٬٦٦٦ / ٦٬٧٦٧