سورة القمر
الجزء ١٨ · صفحة ٢٩٨إنّه وصف وجيز يبيّن الإجمال الذي في الآية السابقة بذكر نوعية العذاب المسلّط عليهم، إنه ريح صرصر عاتية، أي هي شديدة البرودة مرعبة الصوت، سلّطها الله عليهم في يوم نحس، وإضافة "يوم" إلى "نحس" أي الشؤم، هي لإفادة معنى الاختصاص، ووصف "مستمرّ" لإفادة معنى القوة والدوام، وأريد به أول أيام الريح إذ هي سبع ليال وثمانية أيام، كما جاء في سورة الحاقة، وكما جاءت بصيغة الجمع في سورة فصّلت: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحْسَاتٍ) (16). وهذا من إضافة الزمن إلى ما يقع فيه، وإلا فليس هناك يوم للنحس ويوم للسعد، كما يعتقد ذلك بعض الجهلة وكما اشتهر عند الناس التشاؤم بيوم الأربعاء، يقول الإمام ابن عاشور: "وليس في الأيام يوم يوصف بنحس أو بسعد؛ لأن كل يوم تحدث فيه نحوس لقوم وسعود لآخرين، وما يروى من أخبار في تعيين بعض أيام السنة للنّحس هو من أغلاط القصاصين فلا يلقي المسلم الحقّ إليها سمعه، واشتهر بين كثير من المسلمين التشاؤم بيوم الأربعاء، وأصل ذلك انجرّ لهم من عقائد مجوس الفرس، ويسمّون الأربعاء التي في آخر الشهر الأربعاء التي لا تدور، أي لا تعود".(1)
قلت: وكان العرب في جاهليتهم يزجرون الطير فإذا مرّت بهم ذات اليمين، رأوا في ذلك سعدا ويمنا، وإن مرت بهم ذات اليسار تشاءموا وكفّوا عما كانوا يسعون إليه، وإلى تلك العادة الباطلة أشار الشاعر الكنديّ في أبيات يشيد فيها بما كان يتمتع به من أخلاق سامية على عكس معاملة قومه له فيقول:
وإن الذي بيني وبين بني أبي … وبين بني عمّي لمختلف جدّا
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم … وإن هم هووا غييّ هويت لهم رشدا
وإن زجروا بالنحس طيرا تمرّ بي … زجرت لهم طيرا تمرّ بهم سعدا
(1) 1 - التحرير والتنوير: جزء 27 صفحة: 193.