سورة القمر
الجزء ١٨ · صفحة ٣٠٣وقوله: (وَنَبِّئْهُمُ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةُم بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ) بيان لما اشترطه الله عليهم من أن يكون الماء الذي يستقون منه في القرية مقسوما بينهم وبين الناقة فيوم لهم ويوم لها، (كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ)، أي لا يحضره إلا صاحبه في ذلك اليوم، فلا هم يحضرون يوم الناقة ولا هي تحضر يومهم، وكان هذا الشرط من جملة ما أمر به صالح أن ينبئهم به مما يدلّ على أنها ليست ناقة عادية، بل هي ناقة خاصّة جعلها الله آية لدعوة صالح، فهل شكروا نعمة الله على ما كانت تدرّ لهم من لبن؟. كلاّ بل ملوّا ذلك فتآمروا على قتلها.
(فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ): قيل إن صاحبهم كان أحد الرهط المفسدين في المدينة بل كان أشقاهم وأجرأهم في إذاية صالح كما وصفه في سورة الشمس: (إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا، فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا) (12 - 14). والتعبير هنا بصاحبهم للدلالة على أنهم جميعا راضون بفعلته الشنعاء.
(فَتَعَاطَى فَعَقَرَ): فما أروع هذا الإيجاز وربط الفعلين بالفاء، فتعاطى من التعاطي، أي اتخاذ الوسائل والتخطيط لعقر الناقة مما فصّلته الروايات، فبمجرّد وضعهم للخطة نفّذوا جريمتهم بعقر الناقة إذ ضربوا قوائمها ثم نحروها وقد قال لهم رسولهم: (وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ) (الأعراف:73). وهكذا سقطوا في الامتحان وعجّلوا لأنفسهم العذاب، قال تعالى في سورة هود: (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَالِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) (65). وعقب الله هنا على حادثة العقر بقوله: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِي)، إنه الاستفهام التعجيبي المكرر جاء هنا قبل بيان ما حلّ بهم من العذاب.