سورة القمر
الجزء ١٨ · صفحة ٣١٣ولما كان التركيز على الكفر والتكذيب لرسل الله في بيان مصارع الأمم السابقة، فقد سدّ الله بذلك منافذ الشُّبه وأقام الحجة على المكذبين برسول الله وفي طليعتهم كفار قريش هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم في ذروة العزة والشرف لدى العرب قاطبة، فقد جاء خطاب الله لهم بوصف "الكفار" وبصيغة الاستفهام الإنكاريّ توبيخا وتقريعا لوصفهم بتلك الصفة التي تجعلهم في نفس المستوى من الضلال والكفر مع أولئك الذين سبقوهم وبالتالي فما الذي يمنعكم من أن تلقوا نفس المصير؟. فما أنتم خير منهم حتى يحابيكم على كفركم -حاشاه- بل ليست لكم براءة تشهد لكم عند الله مما أنزله من الكتب السماوية بأنه تعالى لا يعذبكم على ذنوبكم، إذن، فقد انتفى الأمران فلا هذه ولا تلك.
وفي انتفاشهم بغرور العزة والقوة بأنهم سينتصرون على رسول الله انتقل إلى أسلوب الغيبة ليخبرهم بما يلحق بهم من العذاب الأدنى في الدنيا فقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ): (أَمْ) منقطعة تفيد الإضراب الانتقالي، ويقدّر الاستفهام بعدها، والتقدير: بل أيقولون؟، والاستفهام لمعنى التوبيخ على تطاولهم بالقوة والعزة حتى صرّحوا بذلك يوم بدر كما تقول الرواية عن ابن عباس، فنزلت الآية: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ). هكذا بالمضارع المسبوق بالسين التي تدلّ على التنفيس؛ لأن ذلك إخبار بما سيقع في المستقبل القريب فيه تعريض وتهديد للمشركين وبشارة بالنصر لرسول الله، وفعلا فقد انهزم المشركون يوم بدر شرّ هزيمة وولوا الأدبار.