نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القمر

الجزء ١٨ · صفحة ٣١٤

وقد ردّد رسول الله تلك العبارة بعد أن تضرّع إلى مولاه في طلب النصر كما أخرج البخاري والنسائي عن ابن عباس أن النبي قال وهو في قبة له يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك، اللّهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا» فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربّك، فخرج وهو يثب في الدرع، وهو يقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)(1).

إنّ ما أصيب به المشركون يوم بدر هو العذاب الدنيوي الأدنى وينتظرهم العذاب الأخرويّ الذي هو أشدّ وأنكى؛ لأنّه عذاب مقيم دائم وقد أعيد اسم الساعة دون استعمال الضمير للدّلالة على التهويل والتضخيم. وبما أنّ الضمير في: (مَوْعِدُهُمْ) يرجع إلى أقرب مذكور فإنّ أغلب المفسّرين يرون أنّ الإنذار موجّه لمشركي مكّة، ويرى آخرون أنّه يعود إلى كلّ من تقدّم في السورة.

وعلى ذكر العذاب الأخرويّ بيّن الله نموذجا من ذلك العذاب فقال: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ).

أظهر الله في مقام الإضمار ونعت المشركين بالإجرام، ثمّ أخبر عنهم بأنهم في ضلال وسعر، وهي الحالة النفسية التي وصفوا بها أنفسهم من قبل عندما قالوا: (أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ)، (وكاد المريب بأن يقول خذوني).

ومع العذاب النفسيّ الأليم، فهناك العذاب الجسماني المهين وهم يسحبون على وجوههم وملائكة العذاب تزيدوهم إهانة ومذلة بقولهم: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ)، إمعانا في التوبيخ.

(1) 1 - الحديث:

٥٬٧١١ / ٦٬٧٦٧