سورة القمر
الجزء ١٨ · صفحة ٣١٧(وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ): فلو كان عذاب المكذبين الجاحدين ينتهي بما حدث لهم في الدنيا من العذاب العاجل لهان الأمر، وهم إذ يتوهمون ذلك باطلا ونكرانا فإن من إقامة الحجة عليهم أن يبيّن الله بوضوح وصراحة بأنّ كلّ ما فعلوه من أعمال وكلّ ما اتخذوه من مواقف في حياتهم الدنيوية هو محصى عند الله ومسجّل في الكتب والصحائف المخصّصة لتسجيل أفعال العباد لا تغادر صغيرة ولا كبيرة سوف يحاسبون عليها ويجزون عليها بما يستحقون، وجيء بكلمة: (مُّسْتَطَرٌ) في الخبر للدلالة على شدة العناية بفعل، سطر يسطر الكتاب، بمعنى يخطه.
وعند نهاية المطاف في آخر السورة يعرض الله تعالى يعرض الله صورة رضية لنعيم المتقين في الجنة يقابل بها عذاب المجرمين وفق أسلوبه الترهيب والترغيب فيقول: (اِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ).
إنّه النعيم المقيم بطرفيه الماديّ والروحيّ، نعيم المتعة الحسية في ظلال الجنة تجري من تحتها الأنهار، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد بيّن الله نماذج وصورا رائعة من ذلك النعيم وبيّن أنه درجات تتفاوت في النعيم والمتعة وفق درجات المقبولين عند الله، وتأتي درجات العليّين في الذروة، وهو الفردوس الأعلى كما جاء في الحديث: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى».
وفوق النعيم الحسّي، نعيم الروح، نعيم الرضوان من الله: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:72). ومنازل القربى عند الله هي منازل صدق لا لغو فيها ولا تأثيم، هي مرضية لأصحابها بحسن الاستقرار والتمكين، فلا خوف ولا زوال.