سورة القمر
الجزء ١٨ · صفحة ٣١٦ومع قدرة الله العجيبة في الخلق والتدبير والتسيير، فإنه تعالى يقدم لنا تمثيلا رائعا لسرعة إنفاذ مشيئته في إيجاد الأشياء وإجراء أعظم الأحداث فيقول: (وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحِم بِالْبَصَرِ)، أي إغماض الجفن وفتحه، إنه تمثيل لأقل لحظات السرعة في قياسنا -نحن البشر- وإلا فما لأمر الله … -حاشاه- زمان يقاس بأي معيار فهو خالق الزمان والمكان، إنما هو لتقريب المعنى إلى حسّنا، وما أروع التعبير بوصف "واحدة" لموصوف مقدّر نتفنن في تقديره، وقد قال تعالى في أعظم حدث تبدّل فيه الأرض غير الأرض والسماوات أي قيام الساعة قال فيه: (وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) (النّحل:77). فإذا تقرّرت تلك الحقيقة في عظمة قدرة الله وسرعة تنفيذ أمره التكوينيّ فهل هو عاجز عن إهلاك المكذبين؟.
وبأسلوب الالتفات بالانتقال إلى صيغة المخاطبين قال تعالى: (وَلَقَدَ اَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، والأشياع: جمع شيع، ومفرده شيعة، أي الجماعة الذين يجتمعون على توجّه واحد، ولو لم يكونوا في زمن واحد، والخطاب لكل من يحادّ الله ورسوله إلى قيام الساعة، وفي مقدمتهم من كان في وقت التنزيل من المكذبين، وقد عالجت السورة طائفة منهم في المسار البشريّ، فهلا اعتبر هؤلاء؟، فسنّة الله لا تتخلّف، فليحذر اللاحقون أن يصيبهم مثل ما أصاب السابقين، وفي الاستفهام تحريض لا يخفى.