نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّحمن

الجزء ١٨ · صفحة ٣٢٢

وقد أخبر عنه بعدّة أخبار غير متعاطفة، فبدأ الله بأعظم منّة منه لخلقه قاطبة وهي تعليم القرآن، هكذا دون التصريح بالمفعول الأول، وبما أن القرآن اسم غلب على الوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلمفإن التقدير يكون: علّم محمدا القرآن، فالرسول هو النّعمة المسداة والرحمة المهداة للعالمين، وفي اختيار فعل: (عَلَّمَ) عوضا عن "أنزل" تعريض بالمشركين الذين قالوا في شأن الرسول: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) (النّحل:103). فبيّن الله هنا أنّه هو الذي علّم محمدا القرآن، لا بشر كما يدّعون، فنعمة الدّين والاهتداء بهديه هي أعظم النعم لأنّ به صلاح الإنسان في الدنيا والآخرة، هذا الإنسان الكريم على الله والذي أعدّه لخلافته في الأرض وحمّله أمانة التكليف باتباع هدي القرآن وتنفيذ أحكام شريعته، فخلق هذا الإنسان على أحسن صورة وتزويده بكل ما يحتاجه من الطاقات والقدرات للقيام بمهمته هو من آيات قدرة الله ورحمته، إذ مكّنه من التعبير عما في نفسه وأقدره على النطق والإفصاح عما يريد ليتجاوب مع غيره من بني جنسه ويكتسب الخبرة في النطق والتعبير ليستفيد من غيره ويفيد، وقد زوّده الله بآليات النطق وآليات التفكير وبذاكرة المعلومات: (وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّنم بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النّحل:78). فويل للإنسان الذي لا يسخّر ما منحه الله من نعمة البيان في ما يرضي به ربّه ويفوز به في الدنيا والأخرى.

وبما أن الله سخّر كل ما في السماوات والأرض مجالا لتدبّر الإنسان ونشاط فقد انتقل إلى بيان بعض آلائه فيها فقال تعالى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ).

٥٬٧١٩ / ٦٬٧٦٧