سورة الرّحمن
الجزء ١٨ · صفحة ٣٢٣الكثير من المفسّرين يرون أن قوله: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)، بصيغة الجملة الاسمية وبدون عطف، يرونها خبرا رابعا للفظ "الرحمن". (بِحُسْبَانٍ): الباء للملابسة، وحُسبان: مصدر فعل "حسب"، خبر عن الشمس والقمر، وتخصيصها بالذكر دون الأجرام السماوية الأخرى هو للفت الأنظار إلى ما أودع الله فيها من منافع لحياتنا على وجه الأرض، فهما يجريان بضبط وبحساب دقيق من بديع صنع الرحمن وهما مجلى لقدرته ورحمته، وهو المستحق للسجود والعبادة، كما قال تعالى: (وَمِنَ -ايَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمُ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (فصلت:37).
وقوله: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)، جملة معطوفة على قوله: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)، فبعد أن امتنّ الله علينا بما سخّر لنا في السماء انتقل إلى الامتنان بما في الأرض، فذكر النجم والشجر، وقد تردّد معنى: (النَّجْمُ) بين تفسيرين: أنّه النجم الذي في السماء، أو النبات الذي ليس له ساق من أنواع البقول والأعشاب، والإخبار عنهما بالسجود لله هو لبيان توجّه المخلوقات إلى الله وارتباطها به في خضوع وانقياد، فجعل بالمزاوجة بين النظائر والجمع بينها في الأرض والسماء، حصل تناسق عجيب في الحركة والسكون وارتباط بين العبودية لله والعبادة له في كامل الوجود كما قال تعالى:
أ) - (وَللهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُم بِالْغُدُوِّ وَالاَصَالِ) (الرّعد: 15).
ب) - (اَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) (النّور:41).