نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّحمن

الجزء ١٨ · صفحة ٣٢٩

وأيا كانت مادة الخلقة فهي تبيّن العلاقة الكبيرة في عناصر التكوين بين مادة الأرض وخلقة الإنسان، هذا من جهة، وتبيّن من جهة أخرى تفاهة الشيء التي خلق الله منه الإنسان، والكمال النسبي الذي صاغه الله به وسوّاه، فلا تقرّب المسافة بينهما إلا قدرة الله وصنعه البديع مما لا يستطيع هذا الإنسان مهما أوغل في كفرانه أن ينكره، وقس على ذلك خلقة الجان من مارج من نار، والمارج هو الخليط، أي خليط من نار وعناصر أخرى، مما هو خارج عن حدود مدركاتنا، وخبر الله صادق وهو أعلم بمن خلق، وقدرته -أيضا- ماثلة في ما وصف به هو قدرة الجان التي تفوق قدرة الإنسان على تسخير منافع هذه الأرض التي يعيش فيها مع الإنسان وخوطب معه بهذا القرآن كما تقدم في سورة الأحقاف: (فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، سؤال تقرير وتعجيب كما تقدم.

(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ): تثنية المشرقين والمغربين إما على اعتبار الشمس والقمر المذكورين سابقا، وإما على اعتبار مشرق الشمس ومغربها صيفا وشتاء، فالكلّ فيه دلالات على قدرة الله وعظمته في تنسيق تلك الأجرام وتحريكها وما يكون في ذلك من المنافع لحياة المخلوقات على ظهر الأرض، ونحن بحكم الألف والعادة واستقرار نظام الأفلاك واستمراره إلى ما يشاء الله فقلما ننتبه إلى ما في ذلك من فضل الله علينا ورحمته ولذلك تكرّر التنبيه بقوله: (فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).

وفائدة هذا التكرير يختلف بيانها بين المفسّرين فقد نقل الإمام ابن عاشور عن ابن قتيبة في ذلك أنه قال: "إنّ الله عدّد في هذه السورة نعماءه وذكّر خلقه آلاءه، ثم أتبع كلّ خلّة وصفها ونعمته وضعها بهذه، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبّهم على النعم ويقرّرهم بها".(1)

(1) 1 - التحرير والتنوير: 27/ 246.

٥٬٧٢٦ / ٦٬٧٦٧