نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّحمن

الجزء ١٨ · صفحة ٣٣٠

(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، يُخْرَجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):

(مَرَجَ): بمعنى أرسل، يقال: مرج الدابة إذا أرسلها ترعى في المرج، والبحران: هما المالح والعذب، كلاهما يجري أو ينبسط على ظهر الأرض لا يحجزها حاجز حتى يلتقيا في نقطة معيّنة بحيث لا يبغي أحدهما على الآخر، أي كلّ منهما لا يتجاوز حدوده المقدّرة، إذ يكون البحر مصبّا للنهر، وغالبا ما ينبع ماء النهر من أعالي الجبال، فإذا وصل ماؤه إلى نقطة الالتقاء اندفع في ماء البحر المالح دون أن يؤثر أحدهما في الآخر، حتى كأن حائلا يحول بينهما إلى مسافة معينة، ثم يمتزجان، وذلك من صنع الله العليّ القدير، لم يكن مصادفة ولا عفويا قال تعالى: (وَهُوَ الذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا) (الإسراء:53).

هذا، وقد اجتهد العلماء في بيان فوائد البحر على النسبة التي تغطّي منه وجه الأرض، كيف يطهّر الهواء من التلوث، وكيف يبقي على التوازن في المناخ اللازم لحياة الإنسان والكائنات الأخرى، وخصّص الله بالذكر هنا ما يستخرج من بطنه من أنواع الحليّ الفاخر من اللؤلؤ والمرجان، أي من البحار المالحة، من باب حذف المضاف، أي من أحدهما، قال تعالى: (وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) (النحل:12).

واستخراج اللّؤلؤ والمرجان صناعة قديمة عرفها العرب في جزيرتهم، ولا يزال البعض يمارسها حتى اليوم، وعندما شبّه المتنبي ممدوحه بالبحر قال فيه:

كالبحر يقذف للقريب جواهرا … جودا ويبعث للبعيد سحائبا

٥٬٧٢٧ / ٦٬٧٦٧