سورة الرّحمن
الجزء ١٨ · صفحة ٣٣٥(سَنَفْرُغُ لَكُمُ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمُ أَن تَنفُذُوا مِنَ اَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
انتقال من ذكر أحوال الدنيا ونهايتها بالفناء الرهيب إلى ذكر أحوال الآخرة بدءا بموقف الحساب والجزاء، والثقلان من الإنس والجن معنيان بهما؛ لأنهما وحدهما المحادّان لله في جلاله وعظمته، باتخاذهم شركاء له، وقد اغترّوا بما كان لهم من الحرية والاختيار في المعتقد وفي كسب أعمالهم، فجاء الإخبار عن الآخرة بأسلوب التهديد بأنه تعالى يتصدّى لحسابهم باهتمام بحيث تسحب عنهم تلك الحرية وذلك الاختيار الذي كانوا يتمتعون به في الدنيا، يقول القطب رحمه الله في تفسير جملة: (سَنَفْرُغُ لَكُمُ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ)، يقول: "والله جلّ جلاله لا يشغله شيء عن شيء، لكن قضى الأشياء مرتبة، ولكن كنّى عن التوفّر في الإنتقام بحيث لا شيء يعارضه عن تمام الإنتقام كمن ترك المهامّ إلى مهمّ واحد، وذلك استعارة تمثيلية"(1). ومن معاني: (نَفْرُغُ): نقصد وسمّس الإنس والجنّ بالثقلين، أولا من باب التغليب للإنس على الجن وثانيا قيل لشرف قدرهما مطلقا وقيل لثقلهما بالتكليف، وقيل لثقلها على الأرض.
(فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ): تكرير لنظائره في المعنى، وليس هو خطابا للثقلين.
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمُ أَن تَنفُذُوا مِنَ اَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ):
(1) 1 - تيسير التفسير: 14/ 233.