نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّحمن

الجزء ١٨ · صفحة ٣٣٤

وفي خطاب تشريفي لرسول الله تبليغا لمن يستمع القرآن قال تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ)، يقابل الفناء لجميع المخلوقات بالبقاء الدائم للخالق العظيم. وعبّر بالوجه عن الذات العلية الموصوفة بالعزة والكبرياء وبالإكرام والإنعام، والتعبير بالوجه هنا جار على أسلوب العرب في استعمال المجاز المرسل من باب التعبير بالجزء وإرادة الكلّ وتعالى الله عن التجزئة والتجسيد، ونظير هذا التعبير قوله تعالى: (لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص:88).

(فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ): تكرير للاستفهام التعجيبي كما تقدم.

ولما كان البقاء المؤقت يستمدّ وجوده من البقاء الدائم فإنّ أبناء الدّنيا الفانية يتوجّهون في كلّ ما يقوم به وجودهم، يتجهون إلى الواحد الأحد الذي يُطعِم ولا يُطعَم ليقضي حاجاتهم ويكفل أرزاقهم، قال تعالى: (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).

فالله وحده مناط الرّجاء ومعقد الآمال ومحط السؤال لجميع الخلائق في أرض أو في سماء يتوجهون إليه بحاجاتهم بلسان المقال أو بلسان الحال، كل يقضي له بما يراه الخير والحكمة.

(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ): في تدبير شؤون الكون، لا يشغله شأن عن شأن، وقد سئل أحد العلماء عن معنى الآية فأجاب بقوله: "إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها"، أي يظهر في الوجود وفق ما يسطّرها القلم في علمه الأزلي، ومن شؤونه تعالى مداولة الأيام بين الناس، فيحيي من يشاء ويميت من يشاء، ويرفع من يشاء ويضع من يشاء.

(فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ): وهل ينكر الثقلان تلك الحقيقة الوجودية؟.

٥٬٧٣١ / ٦٬٧٦٧