سورة الحديد
الجزء ١٨ · صفحة ٣٩٧الأوامر الإلهية في النصّ الكريم وما يعقبها من الاستفهامات التحريضية بل والتوبيخية -أحيانا- أرجّح أنها لا تخصّ المشركين وحدهم ولا المؤمنين والمنافقين، فالكلّ يستطيع أن يسقطها على واقعه ليقيّم وضعيته على ضوئها فيتدارك الخلل الذي يراه في نفسه؛ ذلك لأن الأمة الإسلامية في طور نشوئها ووحي السّماء يتدرج معها خطوة خطوة ويرسم لها طريق رسالتها.
فبعد تركيز دعامتها الأولى بوضع الأسس الصحيحة لعقيدتها مما تكفل به القرآن المكيّ فإنه تعالى يريد أن يركز الدعامة الثانية التي تتناول الجوانب التطبيقية من العمل الصالح الذي يقوم على المنهج الرّباني، فبعد تطهير القلوب بحسن التوجّه إلى الله، وهي المحرّك للجسد بطاقته الرّوحية نجد التّركيز على إنفاق المال في سبيل الله: (ءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)، فالشّح والبخل آفتان تحطّمان عناصر المقاومة في جسم الأمة ومحاربتهما ليس بالأمر اليسير، وقد كان المجتمع الجاهلي ماديّ الطّبع أناني التعامل غارقا في ملذاته وشهواته، فلا جرم أن يأتي هذا الزّخم من الآيات لتحرّض على الإنفاق وتعد بالأجر الكبير للمنفقين. ثم يوحي بلطف ولباقة بأنهم لا ينفقون من عند أنفسهم؛ لأن المال في الحقيقة هو مال الله ضمن ملكه الواسع العريض، فهم في الواقع مستخلفون فيه إلى حين، وهو يورثه جيلا بعد جيل، والله هو المعطي فلا نفاد لخزائنه، ومن ثم يعد الله المنفقين بالأجر الكبير، وقوله: (مِنكُمْ) أي البعض منكم سواء من أنفق منهم في الماضي أو يفعل ذلك في المستقبل.
(وَمَا لَكُمْ لاَ تُومِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُومِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدَ اَخَذَ مِيثَاقَكُمُ إِن كُنتُم مُّومِنِينَ، هُوَ الذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَاتِم بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ):