نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحديد

الجزء ١٨ · صفحة ٤٠٩

إنه العتاب الإلهي المستفزّ لقلوب المؤمنين، والذي ألمح إليه عبد الله بن مسعود، وما تزال الجماعة المسلمة في مكّة تجاهد وتكابد، عتاب فيه حض وفيه استجاشة إلى التجاوب الكامل والخشوع لجلال الله وحسن التلقي لآياته النّاطقة بالحق، ومع ما في هذا الاستفهام التقريريّ من معنى التنديد على استبطائهم في الاستجابة لما يريده الله منهم فإنه حذّرهم من التّشبّه بأهل الكتاب في قساوة القلب ونقض المواثيق إذ طال عليهم العهد بينهم وبين أنبيائهم فصاروا لا يتأثرون بالتّذكير والموعظة، وبالتّالي حرّفوا الكلام عن مواضعه، وبدّلوا وغيّروا. ومع ذلك الفسق والخروج عن منهج الله السّويّ كما قال عنهم: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) (المائدة:13).

والقلب البشريّ عرضة لإشراقات الأنوار الرّبانية إذا تعهّده صاحبه بالتّذكير والتّوعية، فإذا طال عليه الأمد ورانت عليه الذّنوب والآثام قسا وتبلّد وانطمست أنواره، وهو لا يختم عليه بذلك إذا ما تهيأت الظّروف لإشراقات جديدة تعيد له الحياة وينبثق فيه النّور، فهو كالأرض البور ينزل عليها الماء من السّماء فتدبّ فيها الحياة وتزدهر بالنبت، وفي ذلك مثل لتأثير مواعظ القرآن في حياة القلوب، قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

ونظرا لأهمية هذا المثل في مغزاه فقد افتتح بقوله: (اعْلَمُوا) لشدّ الانتباه إلى ما يأتي بعده، واختتم بقوله: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، تلك الدّلالة في التّمثيل، فتكون هذه الجملة لقوله: (أَلَمْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا)، تكون بمنزلة التعليل، والله أعلم.

التنويه بأهل مراتب الإيمان، والتنديد بأضدادهم،

وضرب المثل للحياة الدنيا، والترغيب في نعيم الآخرة.

أ) - النصّ:

/

٥٬٨٠٦ / ٦٬٧٦٧