نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحديد

الجزء ١٨ · صفحة ٤١٣

ولما كان من دوافع الشّح والبخل الافتتان بلذائذ الحياة الدّنيا حقر الله شأنها بضرب هذا المثل الحيّ فقال: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرُم بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الاَمْوَالِ وَالاَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ اَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ).

في سياق الحث على الإنفاق بيّن الله حقيقة الدّنيا حتى لا يغترّ بها المؤمن، بل ينبغي عليه أن يجعلها مطية للآخرة. وأن متاعها قليل وإن زينت لبعض النّاس، ولما كانت تلك الحقيقة تغيب عن أذهان الكثيرين، صدّر الله الجملة بقوله: (اعْلَمُوا) لإظهار الاهتمام بما يذكر بعده، وحصر الأخبار المتعددة بأداة: (أَنَّمَا) وأن ما ذكره الله من تلك الأحوال الدّنيوية هو الغالب على أكثر النّاس. والإنسان في أطوار حياته يمرّ بتلك الأحوال وهي من جهة أخرى ضرورية للتغلب على متاعب الحياة، غير أن المفسدة تكون في تجاوز الحدود المعقولة في كل طور. وما بين طور اللّعب في عهد الطّفولة إلى الحرص على التّكاثر في الأموال والأولاد في عهد الكهولة والشّيخوخة يفتتن الشّباب باللّهو والزّينة ولا يرى في غيرهما لذة ومتاعا. ولعلّ أصدق نموذج لتلك الفترة الجنونية هو ما عبّر عنه طرفة بن العبد في قوله:

ولولا ثلاث هن من لذة الفتى … وحقك لم أحفل متى ما قام عُوّدي

فمنهن سبقي العاذلات بشربة … كُميت متى ما تُعل بالماء تُزبد … ذ

وكرّي إذا ما نادى المضاف محنّبا … كسيد الغضا نبّهته المتورّد … ذ

وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب … ببهكنة تحت الخباء المعَمّد

٥٬٨١٠ / ٦٬٧٦٧