سورة الحديد
الجزء ١٨ · صفحة ٤١٤أجل، ولا تزال اللّذائذ الثلاث من الخمر والنّساء والفروسية لا تزال هي الشّغل الشّاغل للشباب في كل زمان ومكان، وإن كانت الآية الكريمة تصف الواقع المألوف عند النّاس، فإن ضرب المثل الحيّ لحقيقة الدّنيا يخفف من غلواء المفتونين بها، فهي وإن ازيّنت وأقبلت فلفترة ما سرعان ما تضمحلّ وتزول كما يصوّح النبات الأخضر فينكسر ويتهشم، وقد تكرر ضرب هذا المثل في القرآن بأساليب مختلفة، وهو يهيب بالنّاس أن تنسجم أحوالهم مع تعاليم الشّرع الحنيف للفوز بنعيم الحياة الأبدية التي يقول الله عنها.
(وَفِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ): أي يكون الجزاء فيها وفق السّبيل الذي سلكه الإنسان في حياته بمحض كسبه ووفق اختياره إن خيرا أو شرّا.
ولمزيد من التّرغيب في نعيم الآخرة قال تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَالِكَ فَضْلُ اللهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
بعد أن خطّ الله سير المؤمنين وحرّضهم على الوفاء في إيمانهم بالله ورسوله وبالإنفاق في سبيله، وبعد بيان أحوالهم في موقف العرض يوم القيامة جاء التّحريض بفعل: (سَابِقُوا)، لمزيد من العناية والاهتمام بالسّعي لنعيم الآخرة في نوع من المنافسة في مجال المبرّات والمكرمات؛ لأن المؤمن الوفيّ لا يرضى أن يبقى مع الخوالف المتعَثرين في أوحال الدّنيا وغرورها المزيّف.
وقد قدّم الله النّعيم الرّوحانيّ المتمثل في مغفرة الله ورضوانه قدّمه على النعيم الماديّ لخيرات الجنة ومغفرة الذّنوب تخلية لا بدّ منها لإتمام التّحلية.