نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحديد

الجزء ١٨ · صفحة ٤٢٦

وفي ختام السّورة يجيء هذا النّداء الحبيب الندي إلى قلوب المؤمنين برسالات الله والقائمين عليها إلى يوم الدّين: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُوتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

يحتمل في هذا النّداء أن يكون موجها بخاصّة إلى الذين اتبعوا ملة عيسى عليه السلام، لقوله تعالى قبل ذلك: (فَئَاتَيْنَا الذِينَ ءَامَنُوا مِنْهُمُ أَجْرَهُمْ)، وعلى هذا يكون معنى إيتائهم كفلين من رحمة الله لكونهم قد آمنوا بدعوة عيسى والله يدعوهم للتصديق بدعوة محمد صلى الله عليه وسلموترك الحسد والعصبية.

كما يحتمل أن يكون على الإطلاق موجها للمؤمنين بالإسلام ويكون معنى أمرهم بالإيمان والتّقوى مستعملا للثبات والدّوام. وهي بشرى للمسلمين بأن لهم كفلين من الأجر لإيمانهم بجميع الرّسل السّابقين وبدعوة رسول الله، ففي حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله قال: «مثل المسلمين واليهود والنّصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له فعملت اليهود إلى نصف النّهار، وعملت النصارى من الظّهر إلى العصر على قيراط، ثم عمل المسلمون من العصر إلى المغرب على قيراطين». قال فيه: «واستكملوا أجر الفريقين كليهما»، أي أخذوا ضعف كل فريق.(1)

(وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ): فإشراق النّور الرّباني في القلوب المؤمنة يجعلها ثابتة على الحق مضمونة العاقبة لا تخاف عثارا ولا تخشى تيها أو ضلالا، والله يتجاوز عن الخطايا التي لا يخلو منها إنسان؛ لأن ملاك الأمر في العمل هو توخّي رضى الله وخشية سخطه.

(وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ): تذييل مناسب لكرم الله وفضله.

(1) 1 - الحديث: رواه البخاري.

٥٬٨٢٣ / ٦٬٧٦٧