سورة الحديد
الجزء ١٨ · صفحة ٤٢٥بعث الله بعد نوح وإبراهيم رسلا تترى من ذريتهما منهم من قصّ القرآن علينا أخبارهم ومنهم من لم يقصص، فقد امتدت سلسلتهم حلقات تلو أخرى والتّعبير بقوله تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِم بِرُسُلِنَا)، يدل على التّراخي بين فترة وأخرى لتجيء في آخر السّلسلة بعثة عيسى عليه السلام خصّه الله بالذّكر ونوّه بكتابه الإنجيل الذي جاء مكملا لما في التّوراة ومخففا لبعض أحكامها مما عاقب الله به بني إسرائيل على ظلمهم وتعنتهم كما قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ اُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا) (النّساء:160).
فبعث الله عيسى عليه السلام بالرّحمة والسّماحة لتهذيب نفوسهم وتليين قلوبهم، فكانت توجيهاته قد أثرت في أتباعه من الحواريين الأوفياء، إذ غلبت عليهم الرأفة والرّحمة، فكانوا رقيقي الطّبع لطيفي المعشر، خلافا لما كان عليه اليهود، وكانوا لحرصهم على الالتزام بتلك الصّفات الرّوحية الوضيئة قد ابتدعوا من عند أنفسهم سلوكا رهبانيا تعبديّا تحمّلوا مشقته وتكاليفه امتناعا عن الملذات والشّهوات وتفرّغا لعبادة الله في المعابد والصّوامع ابتغاء مرضاة الله، ولم يفرضها الله عليهم إلا بعد أن ألزموا بها أنفسهم، غير أنهم مع مرور الزّمن انتهت إلى أن تصبح طقوسا وأشكالا خالية من معانيها الرّوحية من عفة وتطهّر مما يدلّ عليه الواقع الكنسي اليوم، حتى قيل إن سبب استقالة الحبر الأكبر في "الفاتيكان" في هذه السّنة كان من أكبر أسبابه مشاكل الشّذوذ الجنسي المتفشّي عند رجال الكنيسة.
والله تعالى عليم بذلك الواقع المؤسف فيجازي الأتباع المخلصين الأوفياء بما يستحقونه من الأجر والثّواب، ويبقى الخارجون عن حدود الله فريسة لأطماعهم وأهوائهم.