نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحشر

الجزء ١٨ · صفحة ٤٦٢

وسبب ذلك الإخراج كما تقدم في سبب النّزول هو نكثهم لعهدهم مع رسول الله كما هي عادة اليهود، وقد عزموا على اغتياله عندما كان يفاوضهم، ثم حاصرهم وأمرهم بالجلاء عن ديارهم.

قال تعالى: (مَا ظَنَنتُمُ أَنْ يَّخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ)، الخطاب للمؤمنين في: (ظَنَنتُم) ثم عطف عليه ظنّ أهل الكتاب لتلاقي الظّنين على صعوبة إخراجهم لمناعة حصونهم، أي ليس لكم -أيها المؤمنون- عمل في ذلك الإخراج إذ لم تكونوا تتوقعون خروجهم بتلك الكيفية، ولا هم كانوا يتوقعون ذلك إذ غرتهم مناعة حصونهم ناسين قوة الله وقدرته في تسليط العذاب عليهم إذ جاءهم من داخلهم مما لم يخطر على بالهم، فاستولى على قلوبهم الرّعب، قال تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُومِنِينَ).

فما تجدي الوسائل البشرية مع قوة الله وقدرته، والنّاس وما يملكون من صنعة، فأعجب لهؤلاء كيف انقلبوا على ما كانوا يغترون به من تلك البيوت والحصون فأخذوا يدمّرونها بأيديهم ويشاركون المؤمنين في تخريبها، وما أروع التّعقيب على هذه الحادثة العجيبة بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَآ أُولِي الاَبْصَارِ).

جاء الأمر بالاعتبار مفرّعا على ما سبق، وهو في مكانه المناسب يأخذ المؤمنون العبرة ويتعظون بما حصل لليهود جزاء طغيانهم واغترارهم بقوتهم. والمراد: (يَآ أُولِي الاَبْصَارِ)، ذوي الألباب الحصيفة والقلوب الواعية ممن ينتفعون بما تفرزها الحوادث والأيام.

ثم قال تعالى: (وَلَوْلآَ أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلآَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ، ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُّشَآقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

٥٬٨٥٩ / ٦٬٧٦٧